من الأشياء التي لا أظن بأنه سيختلف عليها اثنان مسألة القراءة النقدية وخصوصا عندما تقرأ لكاتب لا تثق به تمام الثقة ، لكن ما سيختلف عليه هذان الاثنان اللذان اتفقا قبل قليل هو عندما تقول بأنه يجب عليك أن تقرأ لمن تثق به بطريقة نقدية أيضاً وربما بنقد أشد وحرص أكثر ، والسبب في ذلك يعود إلى أشياء تفعلها دون شعور منك ، فأنت عندما تقرأ لشخص لا تثق به فإنك لن تُدْخِل المعلومات إلى عقلك إلا بعد أن تَثْبُت لك صحتها ، مما يدل بأن الأصل عندك أن كلامه خاطئ حتى يثبت لك عكس ذلك .
أما عندما تقرأ لمن تثق به فالمشكلة هنا أن الأصل لديك هو الصواب حتى يثبت عكس ذلك. ومن هنا يأتي التحذير الذي أتكلم عنه ، فأنت قد تؤمن بشيء لم يثبت لك فعلاً صوابه ، أو أن إثباتاته كانت ركيكة ولكن ثقتك في الرجل قد جعلتها بمثابة الإثباتات القاطعة.
ولأجل هذه النقطة التي لم ينتبه لها الكثيرون يوجد لدينا الكثير من العلماء والمفكرين المكررين. فترى أن العالم الواحد له نسخ مكررة كثيرة بخطئه وصوابه ، ومن هذا التكرار نشأت الفرق ، فالفرقة برأيي هي تكرار لشخص ما ، وبالمصطلح الحاسوبي (عمل نسخ للكل ثم لصق في موضوع جديد ) . ونحن بالتأكيد لسنا بحاجة إلى أشخاص مكررين ويشتد الأمر خصوصاً عندما نتكلم عن المفكرين .! قد يعتقد البعض أنه من الغباء أن تفكر في أنه هناك مفكر مقلد ولكنه ما يحدث بالفعل رغم أن كلمة مفكر تعني أن يفكر الشخص هو لا غيره ، فتعريف التفكير هو: إعمال العقل في المعلوم للوصول به إلى المجهول ، لكن العجيب أن الأخ المفكر أعمل عقل غيره في المعلوم ليصل به إلى المعلوم ..!!
وقد يقول قائل وما المانع أن أقلد شخص أثق به، عندها سأقول بأن المانع هو أنك أعلى ما ستصبحه هو نسخة مشوهة من شخص ما ، وإذا كنت تقلد أكثر من شخص فتكون قد جمعت إلى عيوبك عيوب جميع من قلدتهم فلذلك أنت على الغالب ستكون مستنقعاً للعيوب.
لكن لا يجب أن تعمم النظرية على كل شي ، فلو أنك عممتها ستصبح سفسطائياً كما بروتاغوراس حيث قال بأن الإنسان هو مقياس كل شي ، أو ربما تؤمن بديكارت ونظرية الشك وإن شئت فقل أبو حامد الغزالي ونظرية الشك ولكن الأخير لديه ثوابت واضحة بينما الأول فقد عممها على كل شيء فكلامه رغم جماله غير منطقي بتاتاً ، فأنا قد اتبعت منهجه إلى حد التطرف دون علم حيث أني وصلت إلى حد أقول فيه بأنه يجب عليك أن لا تقرأ أي كتاب بل يجب عليك أن تعتمد إعتماداً كلياً على عقلك .
ولكن هذا بالتأكيد كان ضرباً من جنون فالعقل لابد له من ثقافة يرتكز عليها كي يعمل بالشكل الصحيح ولا بد للثقافة من أصول ترتكز عليها فلكل إنسان أصول وثوابت يبتدئ منها ولو إدعى عكس ذلك .
مصنف في
جميل فعلاً، لكن تكوين وجهة نظر شخصية (ورؤية خاصة) لاتتأتى بسهولة إلا بعد كثرة المراس والمران ..وحضور الجلسات النقدية والحوارية والاطلاع الواسع .