القراءة النقدية ..

عام





لن يختلف إثنان على ضرورة القراءة النقدية خصوصا عندما تقرأ لكاتب لا تثق به تمام الثقة ، لكن ما سيختلف عليه الكثيرين هو عندما تقول بأنه يجب عليك أن تقرأ لمن تثق به بطريقة نقدية أيضاً وربما بنقد  أشد وحرص أكثر!

والسبب في ذلك يعود إلى أشياء تفعلها دون شعور منك ، فأنت عندما تقرأ لشخص لا تثق به فإنك لن تُدْخِل المعلومات إلى عقلك إلا بعد أن تَثْبُت لك صحتها ، مما يدل بأن الأصل عندك أن كلامه خاطئ حتى يثبت لك عكس ذلك .
أما عندما تقرأ لمن تثق به فالمشكلة هنا أن الأصل لديك هو الصواب حتى يثبت عكس ذلك. ومن هنا يأتي التحذير الذي أتكلم عنه ، فأنت قد تؤمن بشيء لم يثبت لك فعلاً صوابه ، أو أن إثباتاته كانت ركيكة ولكن ثقتك في الرجل قد جعلتها بمثابة الإثباتات القاطعة.

ولأجل هذه النقطة تحديدا يوجد لدينا الكثير من العلماء والمفكرين المكررين. فترى أن العالم الواحد له نسخ مكررة كثيرة بخطئه وصوابه ، ومن هذا التكرار نشأت الفرق ، فالفرقة برأيي هي  تكرار لشخص ما ، وبمعنى آخر نسخ لجميع أفكار الشخص الآخر بخطأها وصوابها وإعادة طرحها بتغيير الإطار فقط.  ونحن بالتأكيد لسنا بحاجة إلى أشخاص مكررين ويشتد الأمر عندما نتكلم عن المفكرين .!

قد يعتقد البعض أنه من الغباء أن تفكر في أنه هناك مفكر مقلد ولكنه ما يحدث بالفعل رغم أن كلمة مفكر تعني أن يفكر الشخص هو لا غيره ، فتعريف التفكير هو: إعمال العقل في المعلوم للوصول به إلى المجهول ،  لكن العجيب أن الأخ المفكر أعمل عقل غيره في المعلوم ليصل به إلى المعلوم ..!!
وقد يقول قائل وما المانع أن أقلد شخص أثق به، عندها سأقول بأن المانع هو أنك أعلى ما ستصبحه هو نسخة مشوهة من شخص ما ، وإذا كنت تقلد أكثر من شخص فتكون قد جمعت إلى عيوبك عيوب جميع من قلدتهم فلذلك أنت على الغالب ستكون مستنقعاً للعيوب.

لكن لا يجب أن تعمم النظرية على كل شي ، فلو أنك عممتها ستصبح سفسطائياً كما بروتاغوراس حيث قال بأن الإنسان هو مقياس كل شي ، أو ربما تؤمن بديكارت ونظرية الشك وإن شئت فقل أبو حامد الغزالي ونظرية الشك ولكن الأخير لديه ثوابت واضحة بينما الأول فقد عممها على كل شيء فكلامه رغم جماله غير منطقي بتاتاً ، فأنا قد اتبعت منهجه إلى حد التطرف دون علم حيث أني وصلت إلى حد أقول فيه بأنه  يجب عليك أن لا تقرأ أي كتاب بل يجب عليك أن تعتمد إعتماداً كلياً على عقلك .

ولكن هذا بالتأكيد كان مبالغة مفرطة فلا إفراط ولا تفريط فالعقل لابد له من ثقافة يرتكز عليها كي يعمل بالشكل الصحيح ولا بد للثقافة من أصول ترتكز عليها فلكل إنسان أصول وثوابت يبتدئ منها ولو إدعى عكس ذلك .




عدد التعليقات : 7 على “القراءة النقدية ..”


mygif
آلاء يعلق يوم 29 January, 2009 الساعة 10:22 pm

جميل فعلاً، لكن تكوين وجهة نظر شخصية (ورؤية خاصة) لاتتأتى بسهولة إلا بعد كثرة المراس والمران ..وحضور الجلسات النقدية والحوارية والاطلاع الواسع .

mygif
شهيدة يعلق يوم 30 January, 2009 الساعة 8:32 am

يبدو انك تثأر لعدم تدوينك فتره طويله .. ثلاث تدوينات دفعه واحده

لدي وجهة نظر اخرى بخصوص القراءه النقديه .. اعتقد ان الامر يعود بالنهايه للطريقه التي يبنى احدنا بها عقله .. لن يجد من وضع لنفسه مصفاة تنقي ما يقرأ وتفنده سواءا كان لمن يثق بهم او لا يثق .. غضاضه لكي يكتشف خطأ الكاتب وقصور ما اسفر عنه قلمه ..

هي نوع من البرمجة ربما .. قاعده يقتنع بها العقل ويسير عليها فهناك معايير يعرفها العقل للصواب المعقول وهناك معايير للشك وهناك معايير للخطأ .. او لنقل باختصار قاعده مبنيه على انه لا احد سيخرج منه رأيا كاملا هناك مساحه للتعديل والاضافه وربما التصحيح

mygif
ماجد يعلق يوم 30 January, 2009 الساعة 6:27 pm

أهلا ألاء ..
بالتأكيد لن تتكون لدى الشخص رؤية خاصة بسهولة ، فلذلك يكاد يختص هذا الأمر إلى النخبة فقط . فمن الصعب أن تطالب الناس أجمعهم بتثبيت أساساتهم ومبادئهم ثمن بعد ذلك يبنون ثقافتهم بناءاً على هذه الأساسات ثم ينمون هذه الثقافة بناءاً على ما وصولوا إليه .. فكل مرحلة من هذه المراحل تتطلب المرحلة السابقة ومن أراد القفز مباشرة إلى المرحلة الأخير ففي الغالب أنه سوف يتيه وستضارب آرائه بعضهاً البعض ..
وفي الأخير سوف يخرج إلينا إنسان مثقف ولكنه يرتكز على أصول هلامية ومن السهل لدى شخص من هذا النوع أن ينتقل من النقيض إلى نقيضه ..!

mygif
ماجد يعلق يوم 30 January, 2009 الساعة 6:35 pm

أهلاً شهيدة ..
بالنسبة لمعيار الصواب والخطأ لدى الإنسان فبحسب ما يبدو لي أن الثقافة هي أيضا المتحكم الأكبر فيه ، فلو أن حدثتي شخصاً من أدغال أفريقيا عن إنسان تحول إلى أسد فلربما يصدق هذه الحكاية لأن ثقافته تسمح له بذلك ، بينما لو أخبرتيه أنه بالإمكان الإنتقال من كوكب الأرض والذهاب إلى القمر بواسطة الصواريخ لربما كذبك لأن ثقافته ترى أن ذلك من اللا معقول .

mygif
القطب الاعظم يعلق يوم 20 December, 2009 الساعة 11:50 am

احسنت فمن لا يقرأ بهذا الشكل يقع في مطبات كبيرة جدا.

انا عن نفسي كل ما يمر علي من كلام ثقات او غيرهم لابد من ان يكون هناك ما يثبت صحته وهذا من زيادة الثقة بكون انسان مثل ابن تيمية يفهم الشرع والرسالة النبوية فهم عميق ولا يصدر عنه من كلام الا كلام دقيق ولكن امحص كلام ابن تيميه طلبا للوصولل الى طريقة تفكير ابن تيميه ومن اي زاويه يراقب المسائل وليس عدم ثقة به.
وعدم القراءة النقدية لا شك انه يودي بالقارءالى متاهات الالحاد وغيرها من المطبات الخطيرة فكل ما صدر عن غير النبي علية الصلاة والسلام من القرآن والسنة الصحيحة فهو مجال مفتوح للنقد والتمحيص لكون كل انسان يتفرد ببصمة فكرية خاصة يفهم فيها الاشياء بطريقته الخاصة ويفكر ويقوم بعمل كل مجهوداته الذهنيه باسلوب معين خاص لا يتفق مع باقي البشر ولكن ربما يتشابه وربما يشتد الشبه لكن تبقى اثار البيئة والخلفيه الثقافيه وغيرها من العوامل تفرق بين بصمات الفكر فلا ينبغي ان كل البشر تتبع رؤية شيخ معين فتتولد الفرق والمذاهب ولا ان تعاديه ولكن ان تنهل من الموروث الفكري في السيرة والقرآن والسنة وتتفكر وتتعلم من المصطفى بعقل حر ..

موضوع جميل..

mygif
نذير يعلق يوم 11 October, 2012 الساعة 4:35 pm

شكرا لك على هذا النص الرائع البسيط المختصر المفيد … تحياتي

mygif
محمد يعلق يوم 6 January, 2017 الساعة 2:49 pm

شكرا علي طرقك لهذا الموضوع الحيوي، لا مثل الكثيرين غيري من شباب هذه الايام الذين فقدوا البوصلة الي ترشدهم للمسالك التي تساعدهم في تحديد الوجهة التي يريدون بلوغها، فضلت مساعيهم لغيباب الرؤي الواضحة فالثقافة التي ننتمي لها – بكل ما يترتب علي هذا الانتماء- اصبحت ثقافة متنازعة بين عالمين مختلفين اشد الاختلاف، ماضي نتمسك به مخافة التوهان وحاضر فقدنا السيطرة عليه لعجز اداراكنا لثقافات تتجاذبنا و تتحرش بنا دوما، ونحن بين بين نقف مكتوفي بعد كل تحرك بدر منا اعقبته خيبة مما دفعنا جماعاتا و فرادي لسلوك دروب فكرية كانت نهاياتها الفرقة و الشتات و التناحر، وكل ذلك لغياب الثوابت التي نحتكم اليها عندما نختلف و تعيننا في اي قراءة نقوم اي كان ما نقوم بقراءته،،، مشكور كثير اخي

أضف تعليق :